الحلبي
309
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وسيأتي ما فيه . ثم إن الناس وثبوا على جعال ليقتلوه فتبرأ من ذلك القول ، وشهدت له خوات بن جبير وأبو بردة بأن جعالا كان عندهما وبجنبهما حين صرخ ذلك الصارخ . وقيل المنادي بذلك إزب العقبة ، قال ذلك ثلاث مرات ، أي لأنه لما بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما صرخ الشيطان به قال : هذا إزب العقبة بكسر الهمزة وسكون الزاي ، والإزب : القصير كما تقدم . وقد ذكر أن عبد اللّه بن الزبير رأى رجلا طوله شبران على رحله فقال : ما أنت ؟ قال إزب ، قال : ما إزب ؟ قال : رجل من الجن ، فضربه على رأسه بعود السوط حتى هرب ، أي ويجوز أن يكون ذلك صدر من الثلاثة ، وهم ابن قمئة ، وإبليس وإزب العقبة ، فرجعت الهزيمة على المسلمين ، أي وقال قائل : يا عباد اللّه أخراكم : أي احترزوا من جهة أخراكم ، فعطف المسلمون على أخراهم يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون ، وانهزمت طائفة منهم إلى جهة المدينة ولم يدخلوها . وقال رجال من المسلمين حيث قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ارجعوا إلى قومكم يؤمنوكم . وقال آخرون : إن كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد قتل أفلا تقاتلون على دين نبيكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا اللّه شهداء . أي وفي « الإمتاع » أن ثابت بن الدحداح : قال يا معشر الأنصار إن كان محمد قد قتل فإن اللّه حيّ لا يموت ، قاتلوا على دينكم ، فإن اللّه مظفركم وناصركم ، فنهض إليه نفر من الأنصار ، فحمل بهم على كتيبة فيها خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعكرمة بن أبي جهل ، وضرار بن الخطاب ، فحمل عليه خالد بن الوليد بالرمح فقتله وقتل من كان معه من الأنصار رضي اللّه تعالى عنهم . وكان من جملة من انهزم عثمان بن عفان والوليد بن عقبة وخارجة بن زيد ورفاعة بن معلى ، فأقاموا ثلاثة أيام ، ثم رجعوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ذهبتم فيها عريضة ، وأنزل اللّه تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ [ آل عمران : الآية 155 ] قال : وقال جماعة : ليت لنا رسولا إلى عبد اللّه بن أبيّ ليأخذ لنا أمانا من أبي سفيان ، يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم . وانهزمت طائفة منهم حتى دخلت المدينة ، فلقيتهم أم أيمن رضي اللّه عنها فجعلت تحثو التراب في وجوههم وتقول لبعضهم : هاك المغزل فاغزل به ، وهلم سيفك ا ه : أي أعطني سيفك ، أي فالمنهزمون في ذلك اليوم طائفتان : طائفة لم تدخل المدينة ، وأخرى دخلتها . وفيه أن أم أيمن كانت في الجيش تسقي الجرحى . أي فقد جاء « أن حباب بن العرقة رمى بسهم فأصاب أم أيمن وكانت تسقي